الشيخ عبد الغني النابلسي

44

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

والذي قصد لوط عليه السلام بقوله : آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ القبيلة والقوم والعشيرة الذين ينصرونه بالركن الشديد وقصد أيضا المقاومة ، أي المدافعة والممانعة لقومه عن سوء ما أرادوه فقاومهم بقوله لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً وهي ، أي المقاومة الهمة وهي الباعث القلبي المتوجه جهة الفعل المهتم به لا نفس الفعل ، لأنه فعل اللّه تعالى ههنا فإنه عليه السلام يعلم يقينا أن الفاعل هو اللّه تعالى ، فلا يطلب من غيره فعلا وإنما طلب الهمة من البشر خاصة الذين هم الجنس ليظهر الفعل عقيبها على حسب المخاطبة بالتصرف في الوقت الذي يريد . * * * فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمن ذلك الوقت ، يعني من الزّمن الذي قال فيه لوط عليه السلام : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ما بعث نبيّ بعد ذلك إلّا في منعة من قومه . فكان تحميه قبيلته كأبي طالب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقوله : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [ هود : 80 ] لكونه عليه السلام سمع اللّه يقول : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ بالأصالة . ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ فعرضت القوّة بالجعل فهي قوّة عرضيّة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً فالجعل تعلّق بالشّيبة ، وأمّا الضّعف فهو رجوع إلى أصل خلقه وهو قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [ الروم : 54 ] . فردّه لما خلقه منه قال تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحج : 5 ] . فذكر أنّه ردّ إلى الضّعف الأوّل فحكم الشّيخ حكم الطّفل في الضّعف . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمن ذلك الوقت يعني من الزمن الذي قال فيه لوط عليه السلام : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ما بعث ، أي بعث اللّه تعالى في أمة من الأمم نبيا من الأنبياء عليهم السلام بعد ذلك الوقت إلا في منعة ، أي نصرة وحمية من قومه فكان ذلك النبي المبعوث بعد لوط عليه السلام يحميه ، من أعدائه أن يصلوا إليه بسوء قبيلته وعشيرته وقومه كأبي طالب عم رسول اللّه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه حماه من قريش ونصره من إيذائهم كما قال من الشعر لما في ذلك يخاطبه عليه السلام ولمن يؤمن به : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا